الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

365

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

فهو أيضا يتفق مع الآيات القرآنية الأخرى ، كقوله تعالى في الآيات ( 27 - 33 ) من سورة " النازعات " : أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها متاعا لكم ولأنعامكم . إن هذه المجموعة من الآيات الكريمة تكشف بوضوح أن دحو وتوسيع الأرض وتفجر العيون ونبات الأشجار والموارد الغذائية ، قد تم جميعا بعد خلق السماوات . أما لو فسرنا معنى " ثم " بالتأخير في الزمان ، فعلينا أن نقول : إن كل تلك قد تكونت قبل خلق السماء ، وهذا يتنافى مع المعنى الواضح للمراد من قوله تعالى : بعد ذلك أي أن كل ما ذكر قد تم خلقه بعد ذلك ( أي بعد السماوات ) . وبذلك نفهم أن ( ثم ) هنا قد استخدمت للتدليل على التأخير البياني ( 1 ) . ثانيا : " استوى " من " استواء " وتعني الاعتدال أو مساواة شيئين ببعضهما ، ولكن ذهب علماء اللغة والتفسير إلى أن هذه الكلمة عندما تتعدى ب‍ " على " يصبح معناها الاستيلاء والتسلط على شئ ما مثل الرحمن على العرش أستوى ( 2 ) . وعندما تتعدى ب‍ " إلى " فهي تعني القصد ، كما في الآية التي نبحثها ثم استوى إلى السماء اي قصد إلى السماء . ثالثا : جملة " هي دخان " تبين أن بداية خلق السماوات كان من سحب الغازات الكثيفة الكثيرة ، وهذا الأمر يتناسب مع آخر ما توصلت إليه البحوث العلمية بشأن بداية الخلق والعالم . والآن فإن الكثير من النجوم السماوية هي على شكل سحب مضغوطة من

--> 1 - أما ما نقل عن ابن عباس من قوله : إن خلق الأرض كان قبلا ، وأما " دحو الأرض " فجاء بعد ذلك ، فهو لا يحل المشكلة ، وكأن ابن عباس لم يهتم عما بعد الآية من حديث عن خلق الجبال والمواد الغذائية ! 2 - طه ، الآية 5 .